الطبراني
41
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قال سفيان بن عيينة : ( السّنّة هي تأويل الأمر والنّهي ) « 1 » ، ولقد جاء الأمر والنهي في القرآن الكريم ، وجاءت السّنّة لتبيّن للناس طريقة العمل بهما ، فالتأويل هنا ؛ توجيه المعنى المراد في دلالة النصّ إلى معهود العرب للعمل بها وفق النسق المخصوص للمكلّف حين مباشرته في الواقع . وعلى هذا يكون التفسير هو النظام المعرفي في إيجاد الفكر وتكوينه في ذهن المكلّف ، والتأويل هو الأثر الوظيفيّ للتفسير ؛ وكلاهما في حقيقته المعرفية لا ينفصل عن الآخر ، فهو لازم له . فالتأويل عند السّلف رضوان اللّه عليهم ، بمعنى التفسير العمليّ للنص بترجمته في سلوك المكلّف وحركته حين ممارسة الحياة ؛ فهو إدراك قصد مراد الشارع ووعيه له فكرا وعملا ، تفكيرا وتطبيقا لهذا تصف عائشة رضي اللّه عنها فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ركوعه ، بأنه يتأوّل القرآن ، فتقول : [ كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في سجوده وركوعه : سبحانك اللّهمّ ربّنا وبحمدك . يتأوّل القرآن ] « 2 » أي يفعل ما أمر به في القرآن الكريم من السّجود والركوع والذّكر فيهما على ما أمر به . ويقول جابر رضي اللّه عنه في خبر حجّة الوداع : [ ورسول اللّه بين أظهرنا ينزل عليه القرآن وهو يعلم تأويله ، فما عمل به من شيء عملنا به ] « 3 » أي تأويل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بيان لطريقة العمل بالكتاب ؛ وهذا التأويل هو السّنّة والطريقة والتفسير هو العلم الذي تعبر عنه السّنّة وتترجمه بالفعل ، ولهذا يقول أبو عبيدة وغيره : ( الفقهاء أعلم بالتّأويل من أهل اللّغة ) ؛ قلت : لأن الفقه هو
--> ( 1 ) ينظر : الرسالة التدمرية لابن تيمية : ص 60 ؛ طبع المكتب الإسلامي . والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطّلة لابن قيم الجوزية : الفصل الرابع : ج 1 ص 206 - 207 . ( 2 ) عن مسروق عن عائشة رضي اللّه عنها ؛ قالت : ( كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللّهمّ ربّنا وبحمدك ، اللّهمّ اغفر لي . يتأوّل القرآن ) . رواه البخاري في الصحيح : كتاب الأذان : باب التسبيح : الحديث ( 817 ) . قال ابن حجر في الفتح : قوله ( يتأوّل القرآن ) أي يفعل ما أمر به فيه . ومسلم في الصحيح : كتاب الصلاة : باب ما يقال في الركوع : الحديث ( 217 / 484 ) . ( 3 ) رواه مسلم في الصحيح : كتاب الحج : باب حجة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : الحديث ( 147 / 1218 ) وهو شطر حديث طويل .